الفراق !

ربما يختلف معي الكثير .. لكني أجزم بأن أكثر كلمة عربية ” مؤلمة ” هي كلمة الفراق !

فكل محب وكل والد وكل أم وكل إنسان يجوب أعضاءه وخلاياه الدم .. أكثر ما يخشاه وأكثر ما يهابه في الدنيا .. هو الفراق !!

دعوني أتأمل معكم !؟

المحب .. أول ما يلفظ كلمة ” أحبك ” لعشيقه .. فإن أول كلمة يتبعها ” لا تتركني ” .. يبدأ يهيم ويتخيل ولا يريد أن يصل لمرحلة ” الفراق ” التي ستكون حتمية يوماً ما .. لظروف الدنيا أو الآخرة !

الأم .. لحظة أن ترى وليدها .. فإن أول شيء تخاف عليه هو أن يفارقها .. وسيفعل حتماً حين تأتي زوجته فلتأخذه من أحضان أم ربته سنيناً طويلة حتى يبس عوده وقام قوامه ! لكنها سنة الحياة ..!

الفراق .. الذي يشكل هاجس مخيف .. سلب من الدنيا لذتها .. ففي كل شيء تراه وتتلذذ به تخاف فراقه تخاف أنك ستتركه برضاك أم جبراً عنك .. ولذا فإن المرء يسعى جاهداً أن يطيل المدة بأقصى ما يمكن حتى لا يصل لمرحلة الفراق الذي يشكل أمر مؤلم ومحزن ومثير للشفقة !!

أيام طويلة وأنا أتأمل بقوله تعالى : ” لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ” .. وهي قد جاءت سرداً ضمن جملة من النعيم الذي سيحصل عليه أهل الجنة – جعلني الله وإياكم منهم – وكنتُ أفكر .. هل الموت بحد ذاته يعتبر هاجس مخيف …؟ هل نخاف من الموت باعتباره مرحلة انتقالية .. أو بسبب جهلنا بمصيرنا وما بعده ..؟ لا شك أن كل ذلك أسباب لكن هناك سبب رئيس يجعل الموت هاجس مخيف لأهل الدنيا كلهم ويجعل الحياة – بحد ذاتها – سبب رئيس للحياة عند مليارات البشر ” ولو كانت حياة كحياة البهائم ” !

والسبب الرئيس هو الفراق .. فراق الأحباب والملذات وزوالها .. والتفكير الجلي بما بعد الموت من ألم على النفس وعلى الأحبة بعدك .. ولو قيل لك أن كل أهلك وعشيرتك وجماعتك وأحبابك سيموتون معك ميتة واحدة في لحظة واحدة دون ألم على الجميع ودون حزن يعقب على أحد لما كان للموت نفس المقدار من الخوف .. بل ربما أصبح الإنسان لا يفكر بالموت كحاله تغييب كامل وفراق وما يعقبه من أحزان على الأحبة والأقربين !

من كثرة تعلقنا بالحياة .. أصبح الكثير يحس بألم الفراق حتى للأماكن .. للأشياء .. للجمادات والغير عاقل من الحيوانات .. أصبح الإنسان يتألم لفراق سيارته قلمه سبحته بيته ومكان استقراره .. يحس أن انتقاله وفراقه سيفرقه عن ذكرى مرتبطة بنفس المكان .. فالقلم كتب فيه كذا وكذا .. والبيت عاش فيه وعاشر فلان وفلان .. فقيمة  فراق الأشياء صارت مرتبطة بكل ما عاشه المرء من ذكريات وأشياء جميلة معها .. وهنا مكمن الألم !

لذا !

على المرء أن يعوّد نفسه أن هذه الدنيا مهما امتدت .. فهي دار ممر وسيسير لما بعدها فلا داعي للألم والحزن على الفراق .. وعليه أن يملي على روحه دوماً أنه مهما طال المكوث فسيأتي يوماً ليوّدع .. ومهما طال اللقاء سيأتي يوماً ليفارق .. ومهما طال التواصل سيأتي يوماً لينتهي .. وهكذا هي الحياة كلها !

لستُ بصدد أن أؤلمكم أو أنغص عليكم بهذه الذكرى ” المؤلمة ” ..

ولكن بحق .. جاء ببالي أن أكتب عن الفراق .. وكتبت !

ولكم فائق تقديري واحترامي

محمد الصالح

4 people like this post.
Be Sociable, Share!

5 رأي حول “الفراق !

  1. كلنا نخشي الفراق يقول الطنطاوي  عشت في بداية عمري مع والدَيَّ , وكنتُ أظن أنني لا أستطيع مفارقتهما ولا العيش دونهما (فتوفي والداي)
    فعشت مع إخوتي , وظننت أنني لا أستطيع مفارقتهم
    ( فتزوجوا وعاش كل منهم مع أسرته) 
    وأنا كذلك تزوجتُ وأنجبت البنات والأبناء وظننت أنني لا أستطيع مفارقتهم
    ( فتزوجوا وكل منهم كوَّنَ أسرةً وذهب إلى سبيله) 
    فعلمت أنه لا يبقى مع الإنسان إلا (( ربّه ))ضاء والقدرفكل الصّلات قد تنقطع إلا صِلَتك برب العالمين 
    الدنيا مزرعة الأخررة ..نسال الله الثبات 
    ربما هو ضغف إيمان ورضى بالقضاء والقدر
    لنطمن ماخلقنا في الدنيا لنُخلد نحن وأحبتنا ..و الآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 

  2. قبل أيام كتبت في التويتر أنني كنتُ أسمع للشيخ علي الطنطاوي وانفجرت باكياً
    كان ذلك .. وهو يقول هذا الكلام الذي كتبتيه حروف

    نعم .. لم أتمالك دموعي وقتها وأحسست أنني فعلاً كنت أحتاج لمثل هذه الكلمات
    شكراً لك 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*