وعظ .. خاطئ !

لا تعيد القراءة مرة أخرى .. نعم هناك بعض الوعظ خاطئ لأنه يبرمج المستمع له برمجة سلبية قد يكون لها أثر بعيد جداً .. وربما يبعده عن الطاعة ومقصد الواعظ أن يلزمه إياها ..

كم مرة سمعنا من وعاظ ودعاة قصص وروايات عن السلف الصالح رحمهم الله ” حرمت لذة القيام عشرين سنة بسبب نظرة نظرتها ” وآخر يقول ” أنسيت القرآن بذنب أذنبته ” وثالث يقول ” جاهدت نفسي على القيام ولم أستطع بسبب كذا وكذا ” ورابع وعاشر .. وغيرها من القصص الطويلة .

أعرف أن مقصد قائلها هو حث المؤمن على عمل الطاعة وترهيبة من المعصية .. لكن بنفس الوقت يبدأ المستمع بوضع سقف أعلى لأعماله ويبدأ الشيطان لعبته بتذكيره دائماً بهذا المثل الأعلى .. وأنك لن تصل ولن تكون أفضل من فلان بن فلان ومن السلف الصالح الذين تركوا العمل سبب ذنب وأنت هل تذكر فعلتك وهل تذكر فعلتك !

ولنأخذ الصيام كمثال .. أعرف من الناس من يمسي ويصبح على ذنوب ويتوب ويجاهد نفسه ليل نهار .. ويصوم في الأسبوع يومين وهو يعلم أنه مذنب ولكن يسدد ويقارب ويحاول أن يعادل ولعلها تتعادل ” إن الحسنات يذهبن السيئات ” ..

وآخر يقوم الليل .. وهو بقرارة نفسه يعلم أنه مذنب ويعلم أنه يعيش في جو مليء بالمعاصي والآثام ولكن هل يسكن إليها ويترك الطاعة بسبب أنه سمع عن فلان وهو من هو من السلف قد ترك القيام كذا وكذا من السنين بسبب ذنب واحد ؟ هو يرسم لنفسه طريق إلى رضوان الله وإن تكالبت عليه الذنوب فعليه ألا يستكين إليها .. وإن زادت عليه المعاصي فعليه ألا يقف عاجزا عن محاربتها ..

الوعظ الخاطئ له صور شتى .. منها على سبيل المثال القصص التي يسردها الأئمة مطلع رمضان من كل سنة .. فلان ختم القرآن ستين مرة .. وآخر كان يختم مرة في اليوم ومع دخول العشر تتضاعف الختمات ..!

هذه البرمجة السلبية الخاطئة .. جعلت الكثير يهذ القرآن هذ الشعر لا يفقه كثيراً من معانيه بسبب أنه ينظر لمثل أعلى ” خاطئ ” للأسف .. ونسي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال ” لا يفقه القرآن من ختمه في أقل من ثلاث ” !

كثير من الكتب التي تقرأ بعد صلاة العصر لابد من مراجعتها .. كثير من القصص لابد أن تمحص .. فإذا كان المرء ” كمثال ” سوف يقرأ الجزء الواحد بنصف ساعة وهو متأن فهو سيحتاج إلى خمس عشر ساعة لختم القرآن .. وهذا يعني أنه لا يبقى لنومه وصلاته وعبادته وأشغاله وتنقلاته إلا تسع ساعات !!

وإذا كان المرء أنسي القرآن في نظرة واحدة .. فلن تجد حافظا على وجه الأرض إلا العميان .. كون النظرات تحيط بك من كل حدب وصوب !

وإذا كان المؤمن يحرم القيام سنوات طويلة بسبب معصية اقترفها .. فأين قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ” !!

تمعنوا معي هذه الآيات :

” والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون “

” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر “

لابد أن تمحص الكثير من القصص التي يسردها الوعاظ .. الكثير من القصص التي مقصدها حث الناس يكون أثرها عكسي .. عن نفسي وقفت طويلا حتى وضعت يدي على ثغرة خفية في نفسي .. حفرها وأسس قواعدها الكثير من المواعظ التي سمعتها في صغري فتبرمجت سلبياً .. وأحمد الله أن فتح الله عليّ وأراني إياها !!

تقديري وجزيل احترامي

محمد الصالح

2 people like this post.
Be Sociable, Share!

رأيان حول “وعظ .. خاطئ !

  1. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ..

    اعجبتني كثيرًا المقالة خصوصًا :   ” والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ” !! 

    ولكن أردّتُ ان انوّه ان ذلك لا يعني تهوين لأي خطأ وإرتكابه ..

    بالنسبة ” للمثل الأعلى ” جدًا كان كلامكَ منطقي ، خصوصًا وسوسة القرين عنه انك لن تصبح افضل منه وهكذا ..

    ” الدين يسر و ليس عسر ” 

  2. يُحفظ عن بعض الصالحين عبارة مفادها أن المعصية تقول: (أختي.. أختي، والحسنة تقول: أختي.. أختي)، هل تتفضلون بشرح هذه العبارة

    نعم، جاء عن بعض السلف هذا المعنى، ولفظ آخر: إن من ثواب الحسنةِ الحسنة بعدها، ومن عقاب السيئةِ السيئة بعدها، فالمقصود أن المؤمن ينبغي له أن يجتهد في مواصلة الحسنات والأعمال الصالحات ويجتهد في ذلك حتى تكون سجية له، وإذا وقعت السيئة فليحذر أن يصلها بأخرى، وليتب وليبادر بالتوبة حتى لا تكون سيئة أخرى وسيئة ثالثة، فإن الشيطان يجره إلى السيئة، إذا فعل السيئة جره إلى السيئة الأخرى، والملك يجره إلى الحسنة إذا فعل حسنة فالملائكة تملي عليه الحسنة. فهو في هذه الحال يجتهد في متابعة الحسنات والإكثار من ذكر الله والحذر من الشواغل وعليه أن يحذر السيئات، متى فعل السيئة فلينتبه وليتب وليحذر أن يُتبعها بأخرى.
    *نقلاً عن موقع عبدالعزيز بن باز -نور على الدرب 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*