11 مكالمة لم يتم الرد عليها ..!

20102009127

” اللهم لا تفتنا بعده .. ولا تحرمنا أجره .. واغفر لنا وله ..”

سكتّ بعدها .. وامتلأت عيوني بالدموع ..

وأغمضتُ جفني .. في محاولة أخيرة أن أسكت هذه العيون عن البكاء .. وأنا أعاني المر وأحس بالمرارة في حلقي .. ولكن المحاولات باءت بالفشل ..

السلام عليكم ورحمة الله .. ثم جثيتُ على ركبتيّ .. وأجهشتُ بالبكاء ..

أحسستُ أن العالم حولي لا يحسّ بما أحس به .. أغلقتُ على وجهي بشماغي .. ورحت أبكي كالطفل .. وأكتافي ترتفع وتنخفض لتعطي انطباعاً عن مدى الألم الذي كان يسكن بينها ..

 

————-   1   ————

 

–         يالله .. أنا طالع للسوق تبين شئ ..

–         أبي سلامتك .. انتبه لنفسك خالد تكفى ..

–         طيب يا روحي ..

خرج .. وهو واقف أمام الباب .. تذكر أنه لابد لزوجته التي يعيش وإياها الحب بأسمى معانيه وأرقى صوره .. حب نزيه طاهر .. لابد لها من عذر لهذا اليوم الذي غابت فيه ..

فأبدى اهتماماً كعادته مع زوجته في كل صغيرة وكبيرة .. وهنا ..

عاد إليها مرة أخرى ..

دخل البيت ..

–         هاه .. خالد .. ما رحت للحين …

هو مطرق رأسه ..

–         إلا طالع الحين .. بس .. ما أدري ما تبيني أروح للمستشفى أجيب لك عذر ..

–         إلا والله .. إن كان ما عليك كلفة ..

–         أي كلفة الله يخليك .. أنا أنبسط بخدمتك ..

فأطرقت رأسها وقد علت وجنتيها حمرة الخجل الذي يزين نساءنا .. وأحست بشعور غريب ينتاب قلبها .. لم تكد تصف هذا الشعور ولم تعرفه .. غير أنها كانت تخاف منه ..

خرج خالد من منزله .. وركب السيارة .. وبعد أن أدار محركها .. وقف ..

ثم نزل مرة أخرى وعاد للمنزل ..

دخل البيت .. وعلى وجهه حالة وجوم غريب ..

–         خالد .. وش فيك .. نسيت شئ ؟؟

–         لا .. لا .. بس ما أدري ..

–         تبي شئ .. لك حاجة ..؟

–         لا .. يالله .. مع السلامة ..

–         الله يسلمك ..

أحست زوجة خالد في نفسها .. وكأن الأمر في ريبة وشك .. فقد عاد خالد للمنزل ثلاث مرات بعد خروجه .. وليست عادته !

 

————   2   ————-

 

كانت زوجة خالد .. تعد الغداء كعادتها .. وهي في مطبخها .. سمعت صوت الإسعاف !

فأحست بخنجر قد غرس في قلبها .. وراحت تركض دون وعيها إلى الجوال .. لتتصل بحبيبها ومن بقي لها في دنياها بعد أن فقدت أمها وأباها ..

وأخذت تتصل ملهوفة مترقبة منه سماع صوته الحاني عليها .. والتي دائماً ما يبادرها بكلمته المعتادة : هلا والله بهالصوت !

اتصلت مرة .. مرتين .. ثلاث .. عشر  ..

وفاقت اتصالاتها العشر اتصالات .. ولم يرد .. وراحت في وجل وخوف تدور في البيت .. وعرفت أن حبيبها قد أصابه مكروه ..

واتصلت بأخيها .. فلم يرد .. واتصلت بأخوته فلم يرد أحد ..

وأجهشت بالبكاء .. وعلمت كما يعلم المحبين بأوضاع محبيهم .. وأحست بقلب الزوجة الحاني العطوف .. أن زوجها قد أصابه مكروه ..

 

————   3   ————-

 

كان الحادث مؤلماً .. وأصيب خالد في رأسه إصابة بليغة .. ودخل في غيبوبة ..

انتظر الجميع على وجل مضي الأربع والعشرين ساعة التي حددها الأطباء لزوال الخطر .. ومضت غير أن خالد لا يزال في غيبوبته ..

انكب أبناء البلدة كلهم إلى المستشفى ليطمأنوا على ابنهم الذي عاش في الظل .. وكان يحمل أبسط معاني الإنسانية في بساطة المعيشة ورقي المعاملة ..

كان خالد .. بعيداً عن الأضواء كحال أخوته .. لم يكن ذو شأن ومنزلة في المجتمع .. غير أنه كان رجلاً محبوباً من أول نظرة .. وله ابتسامة تعكس صفاء سريرته ونقاء قلبه .. كان خالد متوسط القامة تكسو وجهه لحية تملأ وجنتيه كما امتلأت حباً وصفاء ..

ممتلئ الجسم .. وممتلئ القلب بحب الناس وحب الخير للناس ..

وقف أخوته حوله .. تحملهم الآمال بشفائه .. ويحدوهم دعاء الناس له .. بكشف ضره ..

امتلأت صالة العناية المركزة بالزوار .. لتعطي دلالة واضحة على امتلاء قلوب الناس بحب خالد .. وحب أخوة خالد وأسرة خالد ..

كان الكثير من الناس .. يقف أمام الزجاجة .. ويعتصر في حلقه غصة بكاء .. ويحاول جهده أن يكتم عبرته ويسجن دمعته .. ولكن خالد كان أحب … وكانت العبرات تتدفق تلو العبارات ..

 

————   4   ————-

 

في البيت .. كانت أمه .. تبكي بكاء أمٍ تشكو إلى الله بلاءها .. وترفع يديها متضرعة إلى المولى أن يتولى ابنها بعطفه ..

كيف كانت هذه الإشارة سبباً في دخول ابنها غيبوبة عميقة .. كانت الآمال تلامس الآلام .. كمصافحة الدموع للخدود ..

وأخته .. وهي تعيش ألم المخاض الذي لا يعدله ألم في الدنيا .. كانت تبكي وتقول .. ادعوا لخالد .. هو من يحتاج دعاءكم ..

مع صيحة الطفل الصغير .. وخروجه من بطنه أمه .. كان الجميع أمام زجاجة العناية يصيحون .. حين رفع خالد يده ..

تحركت قلوبهم بالأمل .. وعاشوا لحظات سعادة وهم يهنئون بعضهم ..

–         شفت يده .. والله العظيم رفعه والشيخ يقرأ عليه ..

–         يا رب يا كريم إنك تقومه بالسلامة ..

–         يا رب يا شافي إنك تشفيه ..

قبل أن يتم يومه الأول .. كان الطفل ابن أخت خالد قد سمى نفسه بنفسه .. خالد ..

 

————   5   ————-

 

أتعجب .. لحالتين متقاربتين ..

بداية حياة … ونهاية أخرى ..

بدأت بالبكاء للطفل .. وهذه تعيش النهاية ببكاء الأهل ..

ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً ….. والناس حولك يضحكون سروراً ..

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكاً مسروراً ..

 

————   6   ————-

 

–         كم الضغط يا دكتور ..

–         والله الضغط مرة نازل .. الحين وصل الخمسين .. والله يستر ..

استمر الضغط بالنزول .. وبدأت الحشرجة .. وبدأ الصدر ينخفض ويصعد بسرعة متناهية ..

لقد حضرت النهاية .. وجاءت ساعة الصفر .. تجمع الأطباء والممرضين حول خالد .. حاول جاهدين .. بدءوا عمليات الإنعاش القلبي ..

بعد دقائق .. وقف الجسد الطيب ..

ووقف القلب الطيب ..

وانتقل إلى رحمة الله خالد .. ليعلن لنا عن مأساة شعب عانى ولا يزال يعاني من مصائب الأخطاء المرورية ..

مصائب إعطاء الأطفال للسيارات الفاخرة السريعة والتي تشكل خطراً على المجتمع وعلى أنفسهم وهم ثروته ..

مات خالد .. ولكنه أحيى في أنفسنا حبه .. وحب الناس له ..

مات خالد .. وهو من عاش في بسيطا حبيباً خلوقاً كريماً .. بعيداً عن الأضواء والجماهير .. ولكن يوم الجنائز يتبين حب الناس له .. وهو يوم تتجلى فيه الصورة الحقيقية للشخص ..

مات خالد .. ولكن إشارة الموت لم تمت بعد ..!

مات خالد .. كما مات قبله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .. والموت جار علينا جميعاً .. ” إنك ميت .. وإنهم ميتون .. ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون “

فيا رب اجبر قلب أمٍ ثكلى بوفاة ابنها ..

ويا رب اجبر قلب زوجة أرملة بموت خليلها ..

ويا رب امسح على قلوب أخوته وأخواته وأحبابه .. بفراق أخيهم وغاليهم ..

 

م/محمد الصالح

الأربعاء 18/3/1426هـ

8 people like this post.
Be Sociable, Share!

20 رأي حول “11 مكالمة لم يتم الرد عليها ..!

  1. اقول كما علمنا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم

     إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا خالد  لمحزونون
     
    نعم القلب يحزن والعين تدمع لمثل خالد
    والله لا نملك الا الدعاء له
    اللهم اني اشهدك انك انت الله لا اله الا انت الواحد الصمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا احد ان ترحم خالد وان تغفر له وادخله الجنة بغير حساب وثبته عند الصراط واجعل قبره روضه من رياض الجنة ووسع له قبره واغسله بالماء والثلج والبرد ياارحم الراحمين وان تصبر امه وزوجته واخوانه وولده واهله ومحبيه وتعوضهم خيرا في الدنيا والاخرة ياغفور ياكرم ياذا الجلال والاكرام.
    عظم الله اجرك اخي محمد انت وكل محبي خالد

    كهرمان

  2. لا حول ولاقوة الا بالله
    إنا لله و إنا اليه راجعون
    محزنة جداً رحلة مسيرة  خروج خالد من هذه الدنيا كغيره الكثير
    رحمه الله و غفر له و جعل الجنة مثواه
     

  3. لا حولَ  ولا قوة إلا بالله لا حول ولا قوة إلا بالله
    رحمكَ الله يا خالد وجعلَ قبركَ روضة ً من رياض الجنات
    يا رب إجعل قبره روضة من رياض الجنات  يا ربنا يا رحمان يا مجيب الدعوات إجعل قبره روضة ً من رياض الجنات
    رب إرحمه وأعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واسقه بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس برحمتك يا أرحم الراحمين

    يالله ، أدخله الجنة من غير حساب ولا عقاب يالله

    اللهم صيّر أحبابه على البلاء وأمسح على قلوبهم اللهم صبر محمد وأجعل داعياً لخالد في جوف الأسحار يارب ألهمه الصدقة له والاستغفار
    يارب العالمين ،،

    صبركَ الله صبراً باحتساب يا محمد

  4. اللهم اجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر ,,

    كم حصدت الحوادث من أرواح الأبرياء .. وكم غيرت أحوال الكثيرين ..
    اللهم احفظنا بحفظك وأنت خير الحافظين ..

  5. نحن في مسلسل يومي مع هذه الحوادث اخي انا بالمثل فقدت اختي في حادث مروري يدمي له القلب ولكن نحتسبهم شهداء عند الله
    والله يرحمهم جيعا

  6. “فأطرقت رأسها وقد علت وجنتيها حمرة الخجل الذي يزين نساءنا .. وأحست بشعور غريب ينتاب قلبها .. لم تكد تصف هذا الشعور ولم تعرفه .. غير “أنها كانت تخاف منه
    ..

     

     

     

    نسائنا.. نضع تحتها خط..

    ..

    “كمصافحة الدموع للخدود

    ..

    الله..
     

    بدأت بالبكاء للطفل .. وهذه تعيش النهاية ببكاء الأهل

    ..”

    !!

    مصائب إعطاء الأطفال للسيارات الفاخرة السريعة والتي تشكل خطراً على المجتمع وعلى أنفسهم وهم ثروته

    ..

    وهم ثروته..

    أخ محمد تكتب بطريقة مختلفة .. هذا معناه أن الجمال هنا مختلف ومميز..
    أخ محمد إم أن هذه القصص حقيقية.. أو أن هذه هي طريقتك في الكتابة.. أو أنها الأثنتين؟
    أتمنى أن أعرف..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*