خلاص .. حمودي جاني !

———— 1—————

شجون فتاة جميلة ، كانت تحلم بحياة هانئة جميلة رائعة ، في كنف زوج هادئ وجذاب وقام بدلالها كما تستحق فتاة في عمرها الدلال ..

عاش خالد وشجون في بداية حياتهما ، وكانا يعيشان في شقة تكفيهما وتكفي حاجتهما في بداية مشوارهما ..

حملت شجون بعد أقل من شهر ، ودخلت في مخاض الحمل المعتاد ، بيد أنها صغيرة لا تعرف ما دهاها من آلام ونفسية متعبة ، وهزل جسمها الفتي النابض ،  ومرت بأيام عصيبة حتى دخل شهرها السادس ثم انتقلت بعد ذلك لمرحلة الطلق المتقطع حتى جاء موعد الولادة ..

كانت شجون تحلم بفتاة صغيرة .. منذ نعومة أظفارها وهي تلعب بدميتها .. وتسميها باسم غادة ..

ولكن الله كتب لها ذكراً في حملها الأول .. فجاء محمد .. وكانت تدللــه كأمثاله .. حمودي ..

———— 2—————

مرت الأربعون يوماً كأربعين سنة على خالد .. وكان يمزح مع زملاءه بالاستراحة ..

–         ما حصل يقضي دفتر أبو اربعين ..

–         يا رجال .. يقال لك خذ الثانية وأنت ما تطيع ..

–         عاد شف هاللي ذابحاته الأربع صافهن بالبيت .. وحدة ومتحكمة بك !

–         شف يا بو محمد .. إذا تبي والله أخبر لك وحدة تطيح الطير من السماء .. بس أشر .. والبنت تراها جاهزة وعلى ضمانتي ..

–         والله إنك بديت تدخل الفكرة بدماغي ..!

وكانت هذه السالفة هي سالفة كل ليلة من ليالي الأربعين إلى أن جاء موعد العرس .. وهذا ما كان يصطلح عليه استراحة خالد عن ليلة خروج زوجته لبيتها ..

———— 3—————

خرجت شجون .. وكلها شوق لزوجها الحنون .. ومضت أيام العودة الأولى تحت أنين طفلهم محمد .. وصياحه في الليل ..

لم يكن خالد بهذه الدرجة من الصبر على الأبناء .. فكان يبيت غالب لياليه في الغرفة المجاورة هربا من صياح ابنه محمد ..

وكانت شجون تسهر الليل وهي تلاعب طفلها .. وتداعبه وتبكي لبكائه .. وتضحك لضحكه ..

كانت شجون .. عبارة عن أم .. ودمية .. وآلة تضحيك .. وحوض سباحة .. وكل شئ لمحمد ..!

بعد مضي ثلاثة أشهر من خروج شجون من النفاس ..!

قبضت روحها فجأة وهي في الفراش على أثر أزمة قلبية .. غيبت روحها عن العالم وانتقلت بذلك لحياة البرزخ !

توفيت شجون .. تاركة ورائها زوج مكلوم وطفل يتيم .. ابن أربعة أشهر .. يعيش في دنيا مليئة بالمخاطر وتحفه المهالك من كل حدب وصوب ..!

———— 4—————

رجع خالد إلى استراحته يوماً بعد أن ترك محمد مع الشغالة عند أهله ..

–         يا ناس والله إني محتاس من موتت زوجتي الله يرحمه ..

–         هاه .. ما عندك نية !؟

–         على وشو ؟؟

–         على الزواج .. وراح تبقى طول عمرك أرمل !

–         والله ودي بس .. تخبر الحزن ما زال بقلبي على أم ولدي !

–         يا رجااال .. أجاليك حرمة كود تعتد أربعة أشهر وعشر .. خل نكلمك الربع لا تطير عليك البنت .. تراها قمر مركد !

–         خل أفكر وأرد لك !

–         بكيفك .. بس لا تجينن بكرى وتقول كلمهم لي .. ترى إذا طارت ماني مسئول ..

–         طيب توكل على الله ..

–         أكلمهم !؟

–         الله ييسر .. ايه كلمهم وشف وش يقولون ..

وتكفل الصديق بمخاطبة العائلة .. وتم الزواج العائلي حسب ما أراد خالد على مريم .. بعد أقل من ثلاثة أشهر من وفاة زوجته الأولى !

———— 5—————

كان محمد .. يعيش في حجر الشغالة .. فهي التي تؤكله وتشربه .. وتنومه .. وكان يتناوب في النوم مرة عندها ومرة عند أبيه !

وفي عصر شتوي ..

جلست الشغالة تؤكل الطفل الرضيع .. محمد ..

وحينما انتهت من الغسيل .. أخبرت زوجة الأب مريم بأنها ستذهب لتكوي في غرفتها ..

وتركت محمد وهو يدبي في الشمس .. ودخلت غرفتها ..

أظلم الليل على محمد .. ودخل البرد .. وكان الباب معلق به دفاش !

أغلق الباب على محمد .. وزوجة الأب في غرفتها تتفرج على التلفاز وهي تظن أن محمد مع الشغالة ..

والشغالة تظن أن محمد قد أخذته مريم !

جاء خالد من الشبة .. وأول ما دخل الغرفة سأل مريم ..

–         وين محمد ؟

–         مع الشغالة بغرفته ..

–         طيب .. قومي جيبيه لي ..؟

–         مو قبل ما أقول لك وش صار على أختي مع زوجها ..

ودخلت في سالفة طويلة كان مرادها أن تدخل خالد في غيبوبة عن محمد ..

كانت تقطع سالفتها بقبلة على خد خالد .. وتداعبه حتى نسي محمد .. ونسي أمره ..

كان محمد نائم على الوسادة في الخارج ..!

ودخل ليل الشتاء !

————— 6—————

نام خالد في حضن زوجته مريم .. ونسي ابنه .. ونسي أن يقبله !

وفي أول غفوة !

رأى خالد في منامه .. شجون .. وكان وجهها شاحباً وهي تقول ..

–         خالد .. رح شف محمد !

ثم استيقظ فزعاً ..

–         وش بك خلودي !

–         أستغفر الله .. لا إله إلا الله ..!

–         وش فيك .. ؟!

–         وين محمد ..؟

–         قلت لك عند الشغالة ..؟ فيك شئ ..؟

–         لا .. خلا ص ..

ثم رجع للنوم مرة أخرى !

———— 7—————

رأى خالد شجون مرة ثانية بنفس الهيئة الأولى ..

–         خالد .. رح شف محمد !

واستيقظ أشد من يقظته الأولى هلعاً ..

–         وش فيك خالد حبيبي ..!

–         يالله .. سبحان الله ..

–         وشو .. فيك شئ ..؟!

–         أقول مريم .. وين محمد ..؟ أنتي متأكدة إنه عند ماري ؟!

–         يا خي والله متأكدة .. نم وتعوذ من الشيطان ومن وساوسه ..

–         أعوذ بالله من الشيطان ..

ودخل هذه المرة في نومة غارقة ..

وفي هذه الأثناء .. كان محمد يتجمد في مكانه من شدة البرد !

كان محمد في الممر الخارجي .. وعاش تحت اتكالية طرفين ليس بينهم وبينه دم أو إنسانية !؟

بدأت أطرافه تنثني على تلك البطانية التي تحته .. ولفظ أنفاسه الأخيرة .. ووقف قلبه الصغير عن هذه الحياة القصيرة !

———— 8—————

رؤيا خالد هذه المرة جاءت بشكل آخر ..

هذه شجون .. تقف بعيدة .. وتنظر إليه وهي مبتسمة ..

–         خالد .. لا تقوم .. خلاص .. حمودي جاني !

وقف هذه اللحظة خالد على قدميه مرة واحدة ..

وصرخ .. بأعلى صوته ..

–         محمد .. حمودي .. مريم وين محمد .. حمودي ..

–         تعال .. شفه عند الشغالة ..

–         ماري .. وين محمد ..

دخل غرفتها مذعورا .. فتش في جوانب الغرفة .. نظر لسريره .. فإذا هو خالي !

–         وين محمد ..؟!

–         ماما .. فيه أخذ أنتا !؟

–         وين تركتيه ..

خرج مسرعاً .. وذهب لجهة الممر الخلفي .. وفتح الباب!

فوجد ” حمودي ” قد انثنى جسده على بطانيته بجوار الباب .. وتجمدت أطرافه ..

رفعه عالياً .. صرخ بأعلى صوته ..

–         ولدي ي ي ي ي  … حمودي ي ي ي ي ي ..

وضمه لصدره عله يدفئه ويعيد له النبض ..

غير أن محمد قد رحل .. وترك أباه الذي نسيه ونسي أمه التي ماتت من قبله ..

وكأن الأقدار قد رحمت محمد حين قُبضت روحه صغيراً فلم يعش في كنف زوجة رمته لشغالة .. لا تدري أهي له أم لأعمال المنزل ..

مات محمد .. وليترك قطعة منه في قلب أبيه .. يتجرع غصاتها مع كل نسمة هواء بارد .. كان قد قبض فلذة كبده بإهماله ..

مات محمد .. ليحكي قصة لقلوب تقطر دماً .. ولكن الرحمة قد جفت منها .. ولأنفس تسيل في أجساد خاوية .. كأنها خشب مسندة ..

مات محمد .. ليربط بأذهاننا كيف هي رحمة الأم حين تغادر الابن .. وليحفر في قلوبنا مآسي اليتم والفقد ..

مات محمد .. ولكن قصته بقية خالدة تحكيها الأجيال .. ليعرف كل أب قيمة ولده عند فقد أمه .. فإنه سيكون بعد ذلك الأب والأم والأخ والأخت له ..

شهق محمد شهقة أخيرة .. وترك خلفه قلب تقطع بفراق جزء منه ..

م/محمد الصالح

الاثنين 10/11/1426هـ

3 people like this post.
Be Sociable, Share!

8 رأي حول “خلاص .. حمودي جاني !

  1. رغم عمرها المديد .. لكني كلما قرأتها بكيت وكأني أقرؤها للمرة الأولى  .. أو أكتبها للمرة الأولى إن صح التعبير !

     

    هذه القصة مضى له عمر في قلبي .. كما هي في قلوب كل من قرأها ..

     

    الله المستعان على إهمال الآباء ..

  2. رائعه ,, رائعه ,, تسلم يمناك

    تأثيرها لا يوصف ,, كأنني اعايش القصة

    كم منا من يظلم اقرب الناس اليه ولا يرف له جفن …

    من لايرحم لايرحم

  3. حقاً ، ارتعشتُ منها مَع أنها ليست المرة الأولى التي أقرأها فيها ،،

    حكاية تقول لنا أنَّ قلبَ الأم لا يستعاض عنه أبداً !

    محمدْ ، أسلوبٌ راقَ لي ، نقلاتٌ جيده جداً ، وصلتَ للمطلوبْ بأقل الكلمات وبمعاني غزيرة ،،

    وفقكَ الله

  4. تبقى التضحيات لدى النساء اكثر منها عند الرجال00!!!

    قله ان تجد امرأه تزوجت بعد وفاة زوجها حتى لو كانت

    شابه وصغيره وتملك كل المقومات لذلك!!!!

    كم من الأزوج ينسى ابنائه بعد زواجه حتى مع وجود

    الأم !!!
    تجد الام تضحي وتعمل لكسب الرزق والزوج موجود لايهتم

    الا بمتعته الجسديه التي تنسيه فلذات كبده!!!

    صادفت في حياتي الكثير من القصص الواقعيه لنساء بعد

    زواج ازواجهن قد ظلمن باالهجر الجسدي والمادي ورعاية

    الابناء !!!

    نسمع دائما ان الرجل يحكم عقله والمرأة تحكم بقلبها !!!

    لم اجد الصدق في هذه المقوله اغلب الرجال ينساق

    وراء رغباته وينسى كل مسؤلياته تجاه فلذات اكباده!!

    تجد تلك المحبوبه لديه قد وفرا لها البيت الحلال وجميع

    متطلبات الحياة لها ولأبنائها !!!!

    بينما تجد الأخرى تأخذ الصدقات وتضطر لأي عمل مهما

    كان في سبيل توفير مايسد حاجتها وحاجتهم!!!

    ياربي رحمتك من هذا الزمن الذي اصبحت المتعه فيه تأخذ

    الاهتمام الأول لدى الكثير الا من رحم ربي!!!!

    المرأة والابناء عندنا يتعرضون لظلم لايعلمه الا الله وحده!!!

  5. لاحول ولاقوة إلا بالله .. فعلا ً القصة مؤثرة جدا ً

    صدق عليه الصلاة والسلام حين قال : (( أمك ثم امك ثم امك ثم أبوك .. ))

    اللهم اغفر لوالدينا وأجزهما عنّا خير الجزآء ..

  6. فعلا مؤثرة ..

    محال أن تحل زوجة الأب محل الأم ..

    ” كثيراً ما نسمع قصصا مشابهة .. لأشخاص كانوا ضحية إهمال ..

    إهمال .. كفيل بتغيير مسار الحياة ..

    .. جزيل الشكر ..

  7. “لم يكن خالد بهذه الدرجة من الصبر على الأبناء

     

     

     

     

     

    أغلب الرجال..

     

     

     

    “قبضت روحها فجأة وهي في الفراش على أثر أزمة قلبية .. غيبت روحها عن العالم وانتقلت بذلك لحياة البرزخ

     

    !

     

    فعلاً حدث مفاجئ.. جعلني أتابع بإهتمام أكثر..
     

    “كان محمد .. يعيش في حجر الشغالة .. فهي التي تؤكله وتشربه .. وتنومه .. وكان يتناوب في النوم مرة عندها ومرة عند أبيه

     

    !

     

    وأين الجدة و الخالة .. و الحماة .. ؟
     

    ثم رجع للنوم مرة أخرى

     

    !

     

    معقول؟؟!!!
     

    شهق محمد شهقة أخيرة .. وترك خلفه قلب تقطع بفراق جزء منه

     

    ..

    بالتأكيد..كما أن زوجة الأب ليست بريئة منه..

     

     

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*