حكمة
ما عاقبتَ من عصى الله فيك ، بمثل أن تطيع الله فيه !
* عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فسختُ ساعتي !

Watch

قررتُ صبيحة اليوم .. أن أنزع ساعتي من يدي !

أصبحت عقاربها تؤلمني .. مرورها يشعرني بالأرق .. لحظاتها تفاصيلها أحداثها وحتى هزهزاتها وتفننها ورقص ساعاتها ودقائقها .. تشعرني بالوجد .. بالقلق .. بالحزن ..

فسختها من يدي .. وكان تسلطي عليها بعد أكثر من اثنين وعشرون سنة وهي تلتصق بكفي الأيسر .. حتى رأيتها ملايين المرات وكنتُ أتفحصها مثلها .. حفظتُ الوقت وحفظت التوقيت وعرفته .. يكفي .. مرّ العمر ونحن نحسب الدقائق دون معرفة لقيمتها .. ونذكر الساعات وهي تمر وتأخذنا معها ..

صعقت .. حين علمت بأن الأمر قد سبقني لأهلي جميعاً .. والدي وأخواني وأخواتي كلهم قد نزعوا الساعات من كفوفهم .. أصبح الوقت يشكل هاجساً مريعاً وأصبحتُ أحس أن الساعة هي سلسلة السجن التي وثقتني .. كم من القرون مرت دون ساعة وكم من البشر عاشوا بدون معرفة الوقت ؟ سألتُ نفسي السؤال مراراً حتى تيقنت أن الوقت قيمته بما تعمل فيه لا بأرقامه وثوانيه .. قيمته بما تنتج وما تزرع وما تحصد .. بما تنهي لا أن ينتهي ..

ساعتي .. منذ الأمس لم ألبسها .. معي جوالي يذكرني بالصلاة حال دخولها وهذا أجمل ما فيه .. والأذان يذكرني أيضاً .. الوقت قيمته بقدر ما تقيمه أنت .. لحظة في ليلة الزواج تعدل ساعات من الألم في المستشفى .. وساعة في الحديقة الغناء تشم بها الهواء تعدل أياماً من اللوعة خلف القضبان ..

لا أنسَ أبداً حينما كنتُ أكتب لحبيبتي كلماتي .. أول ما أفعله أقوم بفسخ ساعتي .. كنتُ أحس أن الساعة تسلبني من لحظات حبيبتي وتشعرني بمرور الوقت معها .. حتى اليوم وأنا أحس أني مع حبيبتي أعيش خارج نطاق الزمن والوقت .. وخارج حدود الساعة والزمان .. الزمان وضع للدوام .. وضع للأرقام .. وضع للعقول المليئة بالألغام .. الساعة وضعت في اليد لتقول للإنسان المتأخر تقدم .. للإنسان المبطئ أسرع .. للإنسان المتخاذل وقتك يمشي دون عمل فتذكر ..

أما للإنسان الذي يفتّ يومه بالعمل ولا ينام من هذه الساعة إلا ربعها ثلثها نصفها وبالكاد يصل لكمالها .. يكد الجسد في السعي الدؤوب للوصول لما يريد .. لتحقيق أهدافه .. يعبد ربه ليل نهار ويريد الوصول للجنة ونعم القرار .. فلا يحتاج لمن يشهد عليه .. لا يحتاج لمن يذكره بقيمة الوقت ..

الساعة وضعت لتعلم الإنسان الماكر !

الذي لا يفي بالوعود .. فهو من سلالة عرقوب .. مواعيده متأخرة وأوقاته مليئة بالتناقضات والفوضى والبعثرة ..

أما المنتظم .. فوقته أثمن بجده .. ومواعيده على حد السيف .. يعرف الوقت دون أن يراه وينظر للوقت من خلال العرق من خلال البناء والتشييد من خلال الهم الذي يكسر القلب فيهد الرجل فيسقطه ويسهره .. من خلال القوى الخفية في النفس والتي تشيّد الديار وتعلي الأمم ..

الساعة .. صنعت خصيصاً لمن يعشق الانتظار !

فوقته كله انتظار في انتظار .. يحب الوقوف ورؤية الثواني تمر .. ويحب أن يحاجج ويلاجج كل من يحاول إقناعه بأعذار البشر .. قبلك بثواني .. عرفت ذلك .. بدقائق كنت هنالك .. بساعات بأيام بشهور بأعوام .. يحب المفخرة حتى بالوقت !

لكنها لم تصنع لمن عجز عن الانتظار وكده الملل … لمن نخر في أحشاءه وأهلكه السأم ..!

مع حبي لكل الساعات التي أهديت لي .. سأضع واحدة أمامي في المكتب .. وأخرى أمامي في السيارة وثالثة بجواري على السرير والرابعة في محلي وعلى طاولة بيعي …

رغم أن حبي لا يحتاج لساعة تذكير ولا هدية تذكرني به .. وتقديري لا يمكن أن يحده أو يرده مرور لحظات ..

فقط .. أردتُ تسجيل اللحظة التي أعلنتُ بها الطلاق البائن .. من كل الساعات !!

محمد الصالح

22/7/1431 هـ – 4/7/2010م

1 person likes this post.
Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • Blogplay

اترك تعليقك

المتواجدون الآن